الابتكار المفتوح

img
img
img
img
shape
shape
blog-img
  • Admin
  • 2020-05-09

الابتكار المفتوح

الابتكار المفتوح

سالِفُ الميلاد وحَداثةُ الانتشار

على الرغم من حضور الابتكار في كافة الثورات الصناعية السابقة إلا أن سمة الانغلاق كانت العلامة المتصلة بها عبر التاريخ، وعلى النقيض من ذلك فإن سمة الانفتاح في الابتكار والمنافسة أصبحت السمة البارزة في الثورة الصناعية الرابعة بل وباتت الوقود الدافع لعجلة التغيير المتسارعة.

هل يوجد ابتكار مغلق؟

بالتأكيد نعم، وذلك عندما تعتمد بيئة الابتكار الداخلية في المنظمات على إنتاج الأفكار الجديدة وفقاً لقدراتها الذاتية في مراكز البحث والتطوير الخاصة بها. فكان الإنتاج المبتكر محتجز في فضاءات مغلقة تمثل تلك المنظمات القادرة على الابتكار فقط. وفي هذه الحالة من الانغلاق كانت دورة حياة الابتكار تبدأ بولادة الفكرة في حاضنة البحث والتطوير الخاصة بالمنظمة وتكتمل عمليات التحول إلى قيمة تنافسية جديدة داخل حدودها إلى أن تنتقل في النهاية كقيمة جديدة للمستخدم. على النقيض تماما من هذه المنهجية جاءت منهجية الابتكار المفتوح OPEN INNOVATION والتي تحدث عنها لأول مرة الباحث الأمريكي HENRY CHESBROUGH في العام 2004 من خلال كتابه المعروف "الابتكار المفتوح-الضرورة الجديدة للإنتاج والربحية من التكنولوجيا". أطلق CHESBROUGH تعريفه الخاص بالابتكار المفتوح كمنهجية استخدام هادف للتدفقات المعرفية من الأفكار بالاتجاهين الداخلة والخارجة بهدف تسريع عمليات الابتكار الداخلية، وتوسيع الأسواق المستهدفة من خلال الاستخدام الخارجي للأفكار على التوالي. فهي منهجية تعتمد على الانتشار واللامركزية وفيها تتاح مساحة من الحرية لحركة وتدفق الأفكار عبر حدود وفضاء المنظمة إلى فضاءات أخرى وفق ضوابط محددة.

قدم Chesbrough تبريره لأهمية الابتكار المفتوح في عدم قدرة المنظمات على مواجهة التعقيد والترابط في التحديات التي أفرزتها الثورة الصناعية الجديدة لوحدها. وفي حال مقدرتها على المواجهة لوحدها فإن التكلفة ستكون باهظة، بالتالي فالمنظمات لا تستطيع أن تبتكر لوحدها في كنف هذه الثورة المعقدة.

 منهجية الابتكار المفتوح تتلخص في قدرة المنظمة على زيادة تنوع مصادرها للحصول على الأفكار المبتكرة. بالتأكيد يوجد في هذا العالم الكبير من هو أذكى وأكثر ابداعا من العاملين في المنظمة وبالتالي يجب أن تمتلك المنظمة القدرة على جذب الأفكار الخارجية، وعلى النقيض من ذلك قد تنتج المنظمة أفكاراً لا ترتبط بشكل مباشر في مجال عملها وبحاجة للانتقال لمنظمات أخرى قادرة على تبنيها ومعالجتها وتحويلها إلى قيمة جديدة للمستخدمين.

ولكن هل يعد CHESBROUGH أول من أطلق شرارة الابتكار المفتوح؟
تساؤل قد يتسلل إلى ذهن القارئ لذلك وجب التوضيح أن منهجية الابتكار المفتوح ولدت حيث ولد الابتكار والاختراع، ولكن هذه المنهجية عرِّفت من قبل
CHESBROUGH في العام 2004 وكانت الحافز الذي فتح الباب أمام الباحثين للبدء بالبحث والكتابة في هذا المجال مما ضاعف عدد المقالات والأبحاث التي تناولت هذا المجال والذي كان له الأثر في زيادة انتشار وتطور وسائل هذه المنهجية.

 مسارات الابتكار المفتوح

عندما تقرر المنظمة تبني منهجية الابتكار المفتوح وبالتالي فتح فضائها لارتحال الأفكار والابتكارات، يتعين عليها أولا تحديد المسار المفترض لحركة هذه الأفكار. وفي هذا المجال تحدث الكاتبان GASSMANN and ENKEL  في العام 2004  عن المسارات المفترضة لحركة الأفكار من خلال دراستهم لشركة IBM كحالة عملية. وفي هذه الدراسة توصل البحاثان إلى إمكانية تبني المنظمة لأي من المسارات الثلاثة المتعلقة بالابتكار المفتوح.

  • السماح للأفكار بالانتقال من الخارج إلى داخل حدود المنظمة OPEN INNOVATION" INBOUND"
       وهو المسار الأكثر شيوعا وسهولة، وذلك بهدف تعزيز معارف وابتكارات مراكز البحث والتطوير الداخلية وكمثال على هذا المسار من انتقال الأفكار، براءة اختراع المشغل الصوتي MP3 والذي ابتكرته شركة CREATIVITY، حيث كان السبب وراء تطوير شركة APPLE لاختراعها الشهير iPod على الرغم من المشاكل القانونية التي صاحبت هذه القضية

     
  • السماح للأفكار بالانتقال من المنظمة إلى خارجها "OUTBOUND OPEN INNOVATION"
    والذي سيعود على المنظمة بالمنفعة المالية المباشرة. وقد يساعد هذا المسار من حركة الأفكار على فتح أسواق جديدة لم تكن المنظمة قادرة على الوصول إليها. أكبر مثال على ذلك شركة WALT DISNEY والتي تعد الشركة العالمية الأكثر استفادة من نموذج ترخيص ملكيتها الفكرية للشركات الأخرى.
  • المسار المزدوج
    وهو يمثل قدرة المنظمة على تبادل وتناقل الأفكار من وإلى المنظمة، هذا المسار لم يتحدث عنه Chesbrough سابقا، وفي هذه الحالة تتمتع المنظمة بقدرة عالية على تبادل الأفكار مما يتيح لها قدرة أكبر على المنافسة في الأسواق.

بيئة الابتكار المفتوح

بحسب المنظمة العالمية للملكية WIPO، فإن الملكية الفكرية والتي يرمز لها بالحروف IP تشير إلى أي إبداع أو إنتاج للعقل البشري مثل الاختراعات والاعمال الأدبية والتصاميم والاسماء والصور المستخدمة في التجارة حيث أنها محمية بموجب القوانين الدولية. ولكن هل هناك علاقة بين الملكية الفكرية ومنهجية الابتكار المفتوح؟  بالتأكيد هناك علاقة والعلاقة قوية جدا، فقوانين الملكية الفكرية بمثابة أكسجين الحياة لهذه المنهجية، وبغياب هذه القوانين لن تتمكن أي منظمة من المجازفة بفتح فضائها الخاص لانتقال وتبادل أصولها الفكرية.

قوانين الملكية الفكرية تقلل من المخاطرة في تبني هذه المنهجية في الابتكار وبالتالي تساهم في تحقيق الربحية والعوائد المالية المترتبة على ذلك. وفي سبيل نجاح تطبيق منهجية الابتكار المفتوح يجب أن يحدث التفاعل الحقيقي بين ثلاثة مكونات مجتمعية رئيسية:

  1. الجهات المسؤولة عن تشريع وتنظيم ومراقبة قوانين الملكية الفكرية.
  2. الجامعات ومراكز البحث والتطوير وهي المنتج الرئيسي للمعرفة والأفكار المبتكرة،
  3. القطاع الصناعي وهو المستقبل النهائي للإنتاج المعرفي والبحثي، والقادر على تحويله إلى قيمة تنافسية جديدة.

وسائل الابتكار المفتوح

حتى يتسنى للابتكارات والأفكار الإبداعية حرية الحركة والانتقال في فضاء المنظمات وفق منهجية الابتكار المفتوح، فلابد لها من وسائل نقل آمنة تضمن لها الوصول لأهدافها والعودة لأصحابها وقت ما أرادوا ذلك. بالفعل هي كذلك منهجية الابتكار المفتوح، حركة مستمرة للأفكار من وإلى المنظمات وفق أدوات ووسائل محددة.

يمكن لأي جهة مالكة لفكرة ما أو ابتكار حقيقي أن تمنح ترخيص license لجهة أخرى لاستخدام الفكرة ضمن شروط محددة مرتبطة بتكلفة مالية وسقف زمني تنقضي عنده صلاحية الاستفادة. وقد تحدد الجهة المانحة للترخيص المساحة والمجال التي يسمح فيها استخدام الفكرة وهذه هي وسيلة النقل الأولى والأكثر شيوعا والتي تتيح للمنظمات تبادل الأفكار بكلا الاتجاهين. وفي هذه الوسيلة تعود ملكية الفكرة بشكل كامل للمالك الأصلي بعد انقضاء الفترة الزمنية المحددة للترخيص أو مخالفة أحد بنود منح الترخيص. أما الوسيلة الأخرى المستخدمة لتسهيل حركة الأفكار تتمثل في بيع الفكرة أو الابتكار بالكامل لصالح طرف ثالث، وفي هذه الحالة تنتقل الملكية لصالح الطرف الجديد ولا يمكن للفكرة العودة لمالكها الأصلي إلا بإعادة الشراء أو الحصول على ترخيص لإعادة الاستخدام.

قد تلجأ بعض الشركات كشركة   ORACLE على سبيل المثال إلى استخدام وسيلة التفكير الجماعي CROWDSOURCING وذلك للحصول على أفكار جديدة وبشكل مستمر. تعتمد هذه الوسيلة على جمع عدد كبير من الأفراد القادرين على انتاج الأفكار الإبداعية. وخلال استخدام هذه الوسيلة يتم طرح مجموعة من التحديات والمشاكل التي تواجه المنظمة من أجل الحصول على أفكار متجددة.  

لا شك أن تبني منهجية الابتكار المفتوح ساهمت بشكل واضح في تسريع عجلة التطوير والإنتاج المعرفي في كثير من بلدان العالم، مما كان له الأثر الكبير في تحقيق قفزات متسارعة في عمليات تسجيل براءات الاختراع والملكيات الفكرة. أما على مستوى الوطن العربي فقد بدأت العديد من الدول بالاهتمام بسن القوانين الحافظة لحقوق الملكية الفكرية وإصدار الإجراءات والأنظمة اللازمة لخلق بيئة مشجعة على تبني منهجية الابتكار المفتوح ولكننا لا زلنا في بداية الطريق نحو امتلاك نتاج فكري منافس للعالم من حولنا.  

Top